اسكندرية،،، ليه؟!

كنت دوما من المتحيزين ضد يوسف شاهين و دائما أرميه بالتعقيد والغرور والانفصال عن الواقع، ربما لرؤية غير متأنية لفيلم المصير، أو صغر سني يوم شاهدت أفلامه منقحة على التلفزيون المصري -وقد حارب يوسف شاهين دوما الرقابة- لكن بعد أن نصحني صديق أثق بآارئه في السنيما بمشاهدة سلسلة السيرة الذاتية لبوسف شاهين، أجد رأيي قد اختلف تماما، واستيعابي لروعة مدرسة يوسف شاهين أعمق و أوسع.

سلسلة النقد الذاتي او السيرة الذاتية تتألف من أربعة أجزاء بدأها يوسف شاهين عام 1978 وهو في الثانية والخمسين من العمر ب"اسكندرية، ليه؟" ثم حدوتة مصرية عام 1982 تلاه بعد ذلك "اسكندرية كمان وكمان" عام 1990 و أنهاها باسكندرية - نيويورك عام 2004 قبل وفاته بأربعة أعوام. وقد شملت السلسلة لمحات عن حياته وآرائه وتطلعاته ونقاط فشله من وجهة نظره.

وسأنقل لكم أصدقائي بعض خواطري عن السلسلة في أربعة مقالات، عن كل فيلم مقال ،مستعرضا بعض الحقائق عن كل فيلم وانطباعاتي عن الفيلم وصاحبهم.

1- اسكندرية ... ليه؟
يحكي الاستاذ محمود عبدالشكور الناقد السينمائي أن فكرة السيرة الذاتية السينيمائية ألحت علي شاهين بعد اصابته بأزمة قلبية عام 1972 أثناء تصوير عودة الابن الضال واجرائه لعملية قلب مفتوح في انجلترا. "يقول شاهين الذى واجه الموت، أنه اكتشف  يومها أنه لم يستخدم فنه أبدا لكى يقول الحقيقة عن نفسه، بعد أن قالها عن الآخرين، أفزعه هذا الإكتشاف وقرر أن أهم ما يجب أن يحكيه هو حكايته هو، من وجهة نظره هو".

بدأ شاهين الحكاية في "اسكندرية ... ليه"، قصيدة في حب المدينة الساحلية عشقه الأول، عبر أحداث وشخوص الفيلم، يتسرب إليك انبهار شاهين بطبيعة المدينة الكوزموبوليتانية في الأربعينات، تتنوع و تتباين شخوص المدينة من أبوه المحامي الشريف ذوالأصول اللبنانية و الذي ثار عندما اتهمه أحدهم بانه غير مصري، أمه الشخصية الطيبة الحنونة -وقد اختلفت رؤيته لها في فيلم حدوتة مصرية- وجدته ذوات الاصول اليونانية، صديقه دافيد و أخته ساره المصريين اليهود، شباب المصريين المناضلين، صديقه محسن ابن الباشا صديق الانجليز و عمال المصانع و الكثير آخرين ممن تتقاطع حياة يحيى -بطل الفيلم و تصور شاهين عن نفسه- مع حياتهم.

يحكي الفيلم قصة يحيى وتعلقه بفن التمثيل ومحاولاته المستميتة لدراسة وممارسة هذا الفن الذي جذب عقله وقلبه من خلال دور هاملت لشكسبير، تصطدم هذه الاحلام والمحاولات مع وضع أسرته الاقتصادي الضعيف وهوانعكاس لوضع مدينة الاسكندرية بالكامل اثناء الحرب العالمية الثانية مع دمار الغارات وتوقف عجلة الانتاج وترقب وصول الالمان من الصحراء الغربية في مرحلة ما قبل معركة العلمين، نشاهد مع يحيى تفاعلاته مع هذا المجتمع المضطرب وبعض تفاعلات هذا المجتمع المضطرب مع نفسه بعيدا عن يحيى في الكثيرمن المشاهد، وسأحاول هنا القاء الضوء على بعض النقاط المفصلية لهذا الفيلم الرائع.

الحرب
 يمكن اعتبار أن الحرب العالمية هي الخلفية الاساسية والمستمرة لأحداث اسكندرية ليه، ترى أثر الحرب جليا على كل أبطال الفيلم و حياتهم اليومية و على المدينة نفسها، تبدأ تلك الرؤية منذ المشهد الأول والشجار في السينما مع العسكري المخمور، ثم ينطلق شاهين في رسم صورة مفصلة ومتنوعة لأثر الحرب الاقتصادي على الاسكندرية، فتاة تسمح ليحيى و أصدقاءه بالتقاطها في سيارتهم مقابل القليل من المال، الضائقة المالية التي تواجه أسرة يحيى وكفاح والده المحامي الشريف للتعايش عبر تلك الضائقة وخصوصا مع ولادة حلم يحيى بالسفرو الذي تضافرت جهود الأسرة كلها في التضحية من أجل تحقيقه، كفاح يحيى لعرض مسرحيته في ظل ظروفه المادية الضعيفة واستغلال صاحب المسرح، الباشا الانتهازي صديق الانجليز و الذي يمثل صورة من اثنتين في الفيلم لغني الحرب بكل انتهازيته واستغلاله للعمال الفقراء وتظهر الصورة الثانية في شخصية "صايع البحر" كما يسميه صديقي الاسكندراني والذي لا يترك اي فرصة للثراء قانونية أو وطنية كانت أو لا وينتهزها. وعلى الجانب الاخر الشاب اليساري الذي يشجع العمال للوقوف ضد الاستغلال ويساعد أصدقاءه الضباط في محاولاتهم الوطنية، علاقة الشاب الارستقراطي بالجندي البريطاني ومراسلاتهم ثم صدمته عند اكتشاف مقتل الجندي الشاب في ساحة المعركة والكثير من التفاصيل الأخرى الصغيرة التي ترى فيها وجه الحرب القبيح متجليا على الاسكندرية وأهلها.
تتعقد و تتشابك كل الأحداث مع اقتراب روميل من الاسكندرية و تأتي الانفراجة على عدة مستويات مثل عودة سارة و سفر يحيى بانتهاء تلك الحرب.

بين الواقع والخيال
تختلط في الفيلم الاحداث الواقعية بالخيالية و يتبلور هذا الاختلاط في خطة شباب الضباط لاغتيال تشرشل و التي تبدأ كخطة واقعية وان كانت عاطفية ثم يصدمك شاهين بتحول تلك الخطة لمشهد في مسرحية يحىى، ولو سألت بعض من شاهدوا الفيلم ستجد ان تلك الصدمة وراء فقدان الكثير منهم لخط أحداث الفيلم و بالتالي احساسهم بالتيه داخل الأحداث، أعتقد أن شاهين وضع هذا الاختلاط و الصدمة متعمدا لايمانه الشخصي بأن الواقع و الفن دائما تبادل الأدوار و يؤدي هذا التبادل للحظة كوميدية تراها متجلية في نظرة عبدالعزيز مخيون في نهاية المشهد فتكسر حاجز الجدية عبر الأحداث.

أبيض وأسود ورمادي
تتميز شخوص شاهين بتعدد طبقاتها الأخلاقية و النفسيىة، ابن البلد أو "صايع البحر" الذي يتكسب من كل فرصة يجدها أثناء الحرب هونفسه الشهم الذي يظهر فجأة ليخدم أسرة يحيى و يكون أحد الأسباب في لحاقه بتحقيق حلمه، شباب الضباط الحالمين والمناضلين ضد الاحتلال بكل أفكارهم وخططهم العاطفية الهوجاء يتركون صديقهم ليتحمل هو السجن بدلا منهم دون أن يدفعوا أي مقابل مادي لمحاميه بل و يهاجمونه ويتهمونه بالاهمال وأنه السبب وراء سجنه، والد يحيى الذي يسخر من حلمه بداية ثم يضحي بكل شيء من أجل تحقيق هذا الحلم وغيرهم آخرين، أعتقد أن تلك التناقضات ما تعطي لأبطال الفليم مسحة واقعية حقيقية وتجعل منهم بشرا حقيقيين ليسوا ملائكة ولا شياطين ولكن مصريين قد تصادف أحدهم أومثله في الشارع يوما ما.

فلسطين
هوجم الفيلم من قبل بعض النقاد الأمريكيين، وقد يعزي البعض هذا النقد اللاذع لتصوير شاهين احداث قيام دولة اسرائيل بأنها جرائم حرب علي لسان المليونير اليهودي الذي هاجرلفلسطين أرض الميعاد ثم صدمته، ومغادرته أرضها بعد أن رأى اغتصاب اسرائيل لأراضي الفلسطينيين، على الجانب الآخر من الكرة الأرضية نجد أن البعض هاجم شاهين حيث رأوا في علاقة الشاب اليساري بالفتاة اليهودية لمحة تطبيع وقبول فكرة هجرة اليهود أصلا لأرض فلسطين.
 أرى أن شاهين قد رسم الصورة من منظوره الشخصي المتقبل تماما لليهود ووجودهم على أرض مصر –وقدكانهذا واقعا لايمكن انكاره في الاربعينات- أوفي أرض فلسطين و لكن رفضه أيضا للاغتصاب الاسرائيلي لأراضي فلسطين وهو منظور منطقي وواقعي ويتسم أيضا بالتسامح وتقبل الآخر.

وأخيرا... المثلية الجنسية
لا يصرح شاهين في أفلامه مباشرة بالعلاقات المثلية و لكن تجد الاشارة لها واضحة في الكثير من الأفلام، وتبدوالاشارة هنا في اسكندرية ليه أكثر وضوحا وظهورا في علاقة الشاب الارستقراطي بصديقه الجندي الذي دفع مقابل اصطياده لقتله مبلغا كبيرا من المال ثم يعجب به ويبقى على حياته لتتطور علاقتهم وارتباطه به، يراسله عبر أحداث الحرب و يبحث عن اسمه ملهوفا في كشوف الجنود ويتحطم تماما عند علمه بمقتله في نهاية الحرب. هاجم الكثير الفيلم أيضا بسبب هذه العلاقة و التي تتنافى -من وجهة نظرهم- مع طبيعة المجتمع المصري، اذكرمن هذا النقد مقال هاجم فيه الدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله شاهين بشدة و انتقده في عدة نقاط لكن يمكنك أن ترى من خلال المقال أن الاشارات للمثلية الجنسية في أفلامه هي أحد أكبرنقاط الهجوم. المختلف أيضا في رؤية شاهين للمثلية هو تلميحه لتورطه هوشخصيا فيها والذي سوف يظهر جليا في باقي أجزاء السلسلة.

"اسكندرية،، ليه؟!" فيلم اختلف عليه الكثير، هاجمه فريق بشدة، ووضعه فريق آخر في المرتبة الثانية والثلاثين في قائمة أفضل مائة فيلم في تاريخ السنيما المصرية، القائمة التي يستحوذ فيها يوسف شاهين على نصيب الأسد بأحد عشر فيلما من إخراجه. و قد تنضم يا صديقي بعد مشاهدة الفيلم للفريق الأول أو الثاني وتلك حريتك الشخصية، لكن في كلتا الحالتين، أنصحك حقا بمشاهدته وتقييمه.

Comments

Popular posts from this blog

Collateral beauty

يا منفي